"اثر التغير في بنيان النظام الدولي على السياسة الهندية تجاه قضية كشمير (1991 – 2007)"

وفاء محمود صالح محمود أحمد القاهرة الاقتصاد والعلوم السياسية العلوم السياسية ماجستير 2009

  "تطرح الدراسة موضوع السياسة الهندية تجاه قضية كشمير وأثر التغير في بنيان النظام الدولي على تلك السياسة، حيث يشكل البنيان الدولي أحد المؤثرات الضاغطة على السياسة الخارجية للوحدات الدولية الكائنة فيه، فهيكل البنيان الدولي قد يدفع بعض الوحدات الدولية إلى تبني نمط معين من السياسة الخارجية، كما أن قابلية الوحدات الدولية للتأثر بالبنيان الدولي تتفاوت بتفاوت طبيعة هذا البنيان، وفي هذا الصدد يكاد يتفق دارسوا السياسة الخارجية على أن قدرة الوحدات الصغيرة والمتوسطة على التحرك في النسق الدولي تزداد كلما ازداد الطابع التعددي للبنيان الدولي وكلما ازدادت درجة الصراع بين الوحدات الكبرى فيه( )، وهنا يمكن القول انه إذا كان تحول بنيان النظام الدولي من القطبية الثنائية إلى القطبية الأحادية نتيجة لانتهاء الحرب الباردة قد أدى إلى إنهاء وتسوية العديد من القضايا الشائكة والساخنة في أنحاء متفرقة من العالم والوصول إلى تسوية بشأنها – كما حدث بالنسبة للقضية الأفغانية عام 1989 بعد احتلال دام 10 سنوات – إلا أن هذا التغير في بنيان النظام الدولي والتحول إلى القطبية الأحادية قد أخفق في الوصول إلى تسوية مشاكل أخرى من أهمها مشكلة كشمير – محور دراستنا – العالقة بين الهند وباكستان، وتعد القضية الكشميرية نموذجًا واضحًا لتشابك وتعقد قضايا الأمن الأسيوي، حيث تتجمع حولها العديد من المسائل الأمنية المرتبطة بأطرافها المباشرة وبأطراف إقليمية وصولاً إلى أطراف دولية لها مصالح هامة في القارة الأسيوية بصفة عامة وفي منطقة جنوب آسيا بصفة خاصة، وهنا سوف تركز هذه الدراسة على تتبع السياسة الهندية تجاه قضية كشمير لمعرفة مدى تأثير التغير في بنيان النظام الدولي على قضية كشمير بصفة عامة وعلى السياسة الهندية تجاه تلك القضية بصفة خاصة، ففي حين رأى البعض أن ظروف التسعينات أدت إلى تحسن الوضع الكشميري بالنظر إلى انهيار الاتحاد السوفيتي – القوة الداعمة للهند – وإلى بروز الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى باعتباره أمر يضيف لرصيد المسلمين في آسيا من جانب وكرصيد سياسي ودبلوماسي لباكستان من جانب أخر، إلى جانب دعم القوات الأفغانية وتصاعد عمليات المقاومة في كشمير وكذلك إضعاف صورة الهند كدولة ديمقراطية على أساس الانتهاكات المستمرة التي تمارسها ضد المواطنين في كشمير، إلا أن البعض الأخر يرى أن الأوضاع  ما زالت متوترة وغير مستقرة رغم ما شاهدته الساحة من محادثات بين الهند وباكستان والتي بدأت وتوقفت عدة مرات دون أن تسفر عن حل للمشكلة خاصة مع اختلاف وجهات النظر بين الدولتين.

           وفي هذا الإطار، تطرح الدراسة رؤية معينة لتأثير التغير في بنية النظام الدولي والتحول إلى القطبية الأحادية على السياسة الهندية تجاه قضية كشمير، وتتمثل هذه الرؤية في أن الرؤية والسياسة الهندية تجاه قضية كشمير في ظل القطبية الأحادية تعد بمثابة استمرارية لتلك السياسة والرؤية في ظل القطبية الثنائية، حيث جعل التغير في بنية النظام الدولي والتحول إلى القطبية الأحادية الهند أكثر قدرة على تنفيذ أهداف سياستها الخارجية تجاه القضية(1)، أي أن هذا التغير في بنيان النظام الدولي جاء لصالح الهند خاصة بعد الحملة التي شنتها الولايات المتحدة ضد الإرهاب، وبالتالي فالقضية الكشميرية مستمرة نتيجة لاستمرار الظروف والمتغيرات مع احتمالات التصاعد المستمر إذا خرجت الأمور عن سيطرة أي من الأطراف المرتبطة بالأحداث لكون تلك القضية ذات جذور قديمة تشابكت فيها عوامل التاريخ والجغرافيا والثقافة والمعتقد الديني، فالسياسة الهندية تجاه جنوبي آسيا تقوم في الأساس على وجود العديد من عناصر التهديد للأمن القومي الهندي في هذه البيئة الإقليمية خاصة من جانب باكستان، حيث يعتبر الصراع الهندي الباكستاني في جوهره صراعاً من الموروثات النفسية لتقسيم شبه القارة الهندية بين الدولتين، ولذلك ترتكز السياسة الهندية تجاه كشمير على الإيمان بأنها جزء لا يتجزأ من أراضي الهند ومن ثم لم تتنازل أو تتراجع الهند عن السياسة التي رسمتها حيال هذه القضية منذ أن اندلعت المشكلة، والتي تقوم على الاستعمال المفرط للقوة وعلى التفريق بين مجموعات المقاومة ومحاولة شق صفوفها، وهنا يمكن القول أن مثل هذه السياسة لا يمكن أن تتغير عن طريق الحوار والإقناع وإنما تتغير فقط عندما يرتفع الثمن الذي تدفعه الهند في القضية الكشميرية.

أولاً ـ المشكلة البحثية وتساؤلات الدراسة:

يشكل البنيان الدولي أحد المؤثرات الضاغطة على السياسة الخارجية للوحدات الدولية الكائنة فيه بحيث يدفع الدول إلى انتهاج نمط معين من السياسة الخارجية تجاه قضايا معينة، ومن هنا فإن الدراسة تسعى إلى تتبع السياسة الهندية تجاه قضية كشمير بهدف استكشاف إلى أي مدى كان للتغير في بنية النظام الدولي عاملاً مؤثرًا على مضمون تلك السياسة وطبيعتها، وهى في ذلك تحاول الإجابة على التساؤل الرئيسي الأتي:

* هل أثر التغير في بنيان النظام الدولي والتحول من القطبية الثنائية إلى القطبية الأحادية على مضمون السياسة الهندية وأدواتها تجاه قضية كشمير؟ وكيف أثر؟ وما هي أبعاد ذلك التأثير؟

       وفى هذا الإطار، تنطلق الدراسة من افتراض مؤداه أن مضمون السياسة الهندية تجاه قضية كشمير بعد انتهاء الحرب الباردة والتحول إلى القطبية الأحادية تمثل استمرارية لمضمون تلك السياسة خلال فترة القطبية الثنائية.

ويرتبط بهذا التساؤل الرئيسي مجموعة من الأسئلة الفرعية وهي:-

1- ما هي محددات السياسة الهندية تجاه قضية كشمير في ظل القطبية الثنائية؟ وما هو مضمونها؟ وما هي آليات تنفيذها؟

2- ما أثر التغير في بنية النظام الدولي بعد انتهاء الحرب الباردة على السياسة الهندية تجاه قضية كشمير سواء على مستوى مضمون السياسة أو آليات تنفيذها؟

3- ما أثر العامل النووي على السياسة الهندية تجاه قضية كشمير؟

4- كيف استطاعت الهند أن تستثمر أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001 لصالح تحقيق أهداف سياستها تجاه قضية كشمير؟

5- إلى أي مدى استثمرت الهند علاقتها بالولايات المتحدة في إدارة سياستها تجاه قضية كشمير؟

6- هل نجحت الهند في تحقيق أهداف سياستها تجاه كشمير في ظل النظام الدولي الجديد؟

ثانيًا ـ أهمية الدراسة:

 تنبع أهمية الدراسة من عدة اعتبارات علمية وتطبيقية وذلك على النحو التالي:

1) الأهمية العلمية الأكاديمية لموضوع الدراسة:

تُكمن الأهمية العلمية الأكاديمية لموضوع الدراسة في افتقار المكتبة العربية لدراسات مباشرة – وفقا لما أطلع عليه الباحث – في تحليل السياسة الهندية تجاه قضية كشمير بحيث تتناول كافة جوانب وأبعاد ومحددات وأدوات تنفيذ السياسة الهندية تجاه قضية كشمير، ومن ثم تعد هذه الدراسة مجرد جهد متواضع لإضافة علمية في هذه القضية.

2) الأهمية العملية التطبيقية لموضوع الدراسة:

ترجع أهمية الموضوع العملية التطبيقية إلى عدة أسباب منها:

* أن مستقبل الصراع أو التعاون بين هذه القوى سيترك تأثيره سلبًا أو إيجاباً في مجمل حركة الصراع والتعاون في إطار النظام الدولي، وبخاصة عندما ما يكون ذلك في مناطق تكتسب اهتمامًا دوليًا لاعتبارات جيوبوليتيكية وإستراتيجية، ومن هنا تكتسب دراسة موضوعنا أهميتها وذلك للاعتبارات المادية والمجتمعية التي تتصف بها باكستان والهند في منطقة جيوسياسية تعد من أكثر المناطق أهمية وحيوية، ليست لمصالح قوى الجوار الإقليمي فحسب وإنما لمصالح القوى العالمية ونفوذها، فالهند وباكستان تفصلان جغرافيًا كل من روسيا والصين عن المحيط الهندي والخليج العربي وما يشكله ذلك من أهمية لمصالح الولايات المتحدة فضلاً عن بلدان أوروبا واليابان ودول الجوار الإقليمي.

* كما يعزز من أهمية الدراسة، ما يمكن أن تلعبه الهند من أدوار في ظل النظام الدولي الجديد، فالهند تسعى لوضع أسس مكانتها الجديدة على الساحة الدولية والتي ترى أنها في الوقت الحالي لا تتناسب مع حجمها البشرى وثقلها السياسي ومستقبلها الاقتصادي، حيث تستمر الهند في التأكيد على إنها قوة كبرى لها الحق في أن تكون إلى جانب القوى دائمة العضوية في مجلس الأمن، وقد ازدادت أهمية هذه الدراسة بصفة خاصة بعد ظهور العامل النووي في السياسة الخارجية الهندية خاصة بعد التفجيرات النووية التي قامت بها الهند في مايو 1998، كما أن الأوضاع لازالت متوترة وغير مستقرة خاصة مع استمرار اختلاف وجهات النظر بين الدولتين بالنسبة للقضية الكشميرية وبالتالي كل هذه الأمور تطرح استمرار الاهتمام بالقضية الكشميرية نتيجة لاستمرار هذه الظروف.

ثالثًا ـ المجال الزمني للدراسة:

تتناول هذه الدراسة بالتحليل تتبع السياسة الهندية تجاه قضية كشمير بعد انتهاء الحرب الباردة وذلك لبيان مدى التغير الذي حدث في السياسة الهندية في ظل القطبية الأحادية بالمقارنة بأبعاد تلك السياسة في ظل القطبية الثنائية وذلك بغرض استكشاف تأثير التغير في بنيان النظام الدولي على تلك السياسة تجاه قضية كشمير.

رابعًا ـ تحديد المفاهيم :-

إذا كان البنيان الدولي يشكل أحد المؤثرات الضاغطة على السياسات الخارجية للوحدات الدولية فان هذا يقتضى ويتطلب منا تحديد المقصود بالبنيان الدولي.

           فيقصد بالبنيان الدولي كيفية ترتيب وحدات النسق الدولي في علاقاتها ببعضها البعض، ويتحدد البنيان الدولي على أساس كيفية توزيع المقدرات بين الوحدات الدولية وعلى درجة الترابط بين تلك الوحدات.(1)

           وهناك أيضًا من يعرف هيكل النظام بأنه توزيع القدرات في هذا النظام وبالتالي ترتيب الوحدات المكونة له بالنسبة لبعضها البعض ويهتم الباحثون بتحليل هذا البعد بالنظر لانعكاسات مثل هذا التوزيع على سلوك الوحدات الدولية.(2)

 وهنا يمكن أن نفرق بين توجهين الأول يعطى لهيكل النظام دوراً رئيسيًا في توجيه السياسات الخارجية للوحدات الدولية، وما إذا كان يوصف هذا النظام بأنه قطب واحد أم تعدد قوى، أما التوجه الثاني فيعمل على التقليل من دور هيكل النظام في توجيه السياسة الخارجية للوحدات الدولية ويركز على دور القيادة والعوامل الداخلية في توجيه السياسة الخارجية للدول حيث يرى أنصار الاتجاه الأول انه بانهيار الاتحاد السوفيتي أصبحت الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة القادرة على تنظيم الأوضاع العالمية دون أن تخشى أي معارضة وبالتالي يرى هذا الاتجاه أن عالم ما بعد الحرب الباردة ليس عالم متعدد الأقطاب بل عالم القطب الواحد وبالتالي مركز القوة العالمية وهى الولايات المتحدة الوحيدة القادرة على القيام بدور حاسم في أي صراع تختار أن تشارك فيه في أي مكان في العالم وبالتالي هي تقوم بالتأثير على السياسات الخارجية للدول المتوسطة والصغيرة، أما الاتجاه الثاني فيرى أن هيكل النظام العالمي الجديد هو هيكل يتسم بتعدد القوى وان اختلف هذا الهيكل عن هيكل تعدد القوى في ظل نظام توازن القوى الذي عرفه العالم في القرن التاسع عشر.(1)

خامسًا ـ منهج الدراسة:

تستخدم الدراسة اقتراب تحليل النظم في دراسة السياسة الهندية تجاه قضية كشمير.

        وبصفة عامة يرجع  استخدام منهج تحليل النظم في علم السياسة إلى ""دافيد ايستون"" الذي أسس نموذجه على مفاهيم: النظام، وبيئة النظام والاستجابة وهى يقصد بها تطوير الهياكل والعمليات داخل النظام لمواجهة التأثيرات النابعة من البيئة، بحيث يبدو النظام كدائرة متكاملة تبدأ بالمدخلات التي يستقبلها النظام من البيئة ويقوم بعملية تحويل لها لتصبح مخرجات، يكون لها ردود أفعال من البيئة فتعود إلى النظام السياسي مرة أخرى في شكل تغذية استرجاعية(2)                                     

          وقد  شهدت فترة الستينات محاولات لتطوير استخدام هذا الاقتراب في السياسة الخارجية مثل محاولة ""مودلسكي"" عام 1962 حيث قدم نموذجًا للسياسة الخارجية يتكون من أربعة متغيرات هي: مدخل القوة، ومخرج القوة، والمصالح، والأهداف واعتبر ""مودلسكى"" أن التوازن بين هذه المتغيرات الأربعة هو الذي يخلق سياسة خارجية رشيدة، كذلك وضح مودلسكى عملية التفاعل بين المدخلات والمخرجات والتغذية الاسترجاعية، ومع نهاية الستينات قدم ""برتشر"" واثنين من زملائه عام 1969 نموذجًا لدراسة السياسة الخارجية ويضم نموذج ""برتشر"" ثلاثة عناصر هي: المدخلات وتشمل البيئة الواقعية لصنع السياسة، والبيئة النفسية لصانعي القرار في السياسة الخارجية، وعملية صنع السياسة والمخرجات(1).

سادسًا ـ تقسيم الدراسة:

تم تقسيم الدراسة إلى مقدمة وثلاثة فصول تليهم خاتمة ونتائج الدراسة، وذلك على النحو التالي:

الفصل الأول: تأصيل موضوع الدراسة.

المبحث الأول: أثر التغير في بنيان النظام الدولي على السياسات الخارجية للدول

المبحث الثاني: الجذور التاريخية لقضية كشمير.

 

الفصل الثاني: السياسة الهندية تجاه قضية كشمير في ظل القطبية الثنائية.

المبحث الأول: السياسة الهندية تجاه قضية كشمير في ظل القطبية الثنائية: الأبعاد والآليات.

المبحث الثاني: تطور سياسات الأطراف الخارجية تجاه قضية كشمير في ظل القطبية الثنائية.

 

 

الفصل الثالث: أثر التغير في بنيان النظام الدولي على سياسة الهند تجاه قضية كشمير(في ظل القطبية الأحادية).

المبحث الأول: السياسة الهندية تجاه قضية كشمير في ظل القطبية الأحادية: الأبعاد والآليات

المبحث الثاني: تطور سياسات الأطراف الخارجية تجاه قضية كشمير في ظل القطبية الأحادية"


انشء في: اثنين 10 ديسمبر 2012 14:09
Category:
مشاركة عبر